شتاءات غائرة

كتبهامحمد صبيح ، في 13 كانون الثاني 2008 الساعة: 17:42 م

الى ناصر/ عارف / بسام / جعفر  / عمر  /  

   شتاءات غائرة

                     1-

هاهم خمسة ُ أولاد ٍوبعد الخامسة مساء

خلف جدار المدرسة الغافي في نوم الحارس ِ

هاهم في برد الكوانين ِ

أعدوا بعد عجين الطين مع المطر الليلي

ورصفوا صوان العبث على باب المساء الشهي

التصقوا مثل الصمغ المدرسي على اطراف اصابعهم

والتفوا

حول موقدهم " القرمطي"

اوقدوا عند المساء الشتوي نارهم

وابتدأو

طقس التشرد اليومي قبل رحيل نهارهم

خمس ثعالب شرعوا في الأعداد اراهم منهمكين الأن وذاك

           الوهج

تراقص مع خشب "السحارات"ورائحة البطاطا المسروقة

            ظهرا ًفي انشغال الأمهاتِ

دفء في الأطراف تسلل مثل تلميذ ٍ متأخر

وجه في الدخان يغني

وجه يعبث في جمر الليل

وجه يسرد قصة غول اكل الأولاد بعد دهنهم مثل الزبدة فوق ِ      
الخبز المحمص !

نشوة بدائية نشرت غمامها فوق الساحة ِ

ريح مثقلة بالفانتازيا تحمل الصرخات الأن

وطقس مجوسيٌُُ في البرد امتلك الأولاد

"تعالوانعبد َهذاالوقت" .

شتاء 1974
 

2-

 حول المدفأة الموسومة "بعلاءالدين"

كنا اكثر من أربعين حرامي

تلك الواقفة بوسط البيت  وشعلتها  الزرقاء المتموجة

كثوب الغجريات وسيل الدفء حكايا

يتخللهاقصف الرعدِ كجني

فوق السطح الطيني يدمدم مختالا ويداه تشحذان

سكين البرق لذبح من لم يصلي على النبي

"يالطيف ، يالطيف، يالطيف"

وحدي

عينايا كرادرٍتتابعان صغيرات الكستناء

وهي تنضج , تتكور, تحمر..

تخلع ببطء عارضة عريِ ٍمعطفها البني امامي ،

وانا قبل باقي الذكور آخذهن مثنا وثلاثا ورباع !

ثم انام قرير العين على

صوت صليل سيوف الزير

ورمح الغادر جساس .

 

شتاء1975

3-

 

الأرنباد ُالذي يحث الخطى قبل قرع الجرس ِ اليومي

 وعصا"من كاد أن يكون رسولا"

توقف مشدوها ً:

الا يوجد في الجنة نهرٌ من"سحلب"

أوغاباتٍٍ من "كرابيج حلب"

واتسعت وابيضت كطابة "تنس"

حدقات معلم التربية الأسلاميه!

 

 

4-

بين القبعة الصوفية المتوارثة

عن الأخرين

والجزمة السوداء المهترئه

، كانت فلذات الأكباد التي تمشي على

الوحل تخطو كبطارق مخمورة والطريق نائم

مستسلم للريح اللعوب،

تخض جبهته دواليب عربة الكاز

يجرها ببرود ٍبغل المحروقات .

 

5-

كنا نعيش عصر المعجزات

فلا نشعر بصقيع الصباح ِولا بلفح المساء

أظنهااصابعهن علقن في خيوط الصوف ِ وهن يُحكنَ لنا تلك

"الجرزات النبوية"

وأذكر ُ

 كان يسمعنا

وكان يستجيب لنا فورا ً

يوعز بتنفيذ ما تمنينا عليه

وقبل أن يرتد

الينا طرفنا ،

لعله كان مولعا بنشيدنا الأممي في تلك الساحات المجدبه:

"يا رب تشتي يا رب    خلي العجايز تنظب"*1

 

شتاء      1976

6-

صمت وادع بعد المظاهرة الصباحية يجتاح البيت ليلا ً

وحدها السماءُ خلف النافذة الخرساء

كانت غزيرة الكلام

…. أسرح

أوغل في غابة التهيؤات

مع كل خطوة في الخارج تهرب من تلك السحب السوداء

وهي تعصر فوق المدينة زنجبيلها..

يا لمخيلة الصغير كم ستشقيه

. وتنجيه من غيلان الواقع  لاحقا ً.

 

7

" راس روس …موز مقلاة … سيف عيسى .. مستشفى   وجوه شفاه .. باع كوز ..كوب باب .. الخيوط الذهبية.. فتحت ليلى عيناها في الصباح … الكلب الشره  .. خطف احد الكلاب قطعة لحم ذات يوم…   الصحن المغطى … لو ارادت امي أن يعرف الناس ما به لما غطته

المفردات : ………………………….

………………………………..  " 2*

 

لم اتعلم درسا في حياتي اهم واجمل

من درس القرآة منذ الأول ب

لم اعشق في حياتي لعوبا ً مثل اللغة العربية !

 

8-

" السلام العادل والدائم والشامل "

حمام ساخن بماء يتنفس ذاك البخار الأسطوري

في ليل الخميس

يدان ماهرتان حنونتان كحمامتي الغار يزيلان عنك

وحل الطرقات, غبار الطباشير … ورائحة الحرائق اليومية وكرات البصل المشوي!

يعقبه كأس شاي لذة للشاربين

يتخلله فطائر السبانخ ساخنة خرجت تضحك من رحم الفرن قبل قليل

حكاية " جبينة وهي ترعى وز وتمشي غز "

ثم الهبوط الحر رويدا … رويدا الى حضن السرير

………………

…………………………

قطة تنام مرتاحة الضمير قرب المدفأة ،

أمرأة في كامل ابهتها الرعوية

تطهو طعاما اسطوريا يدعوه الكنعانيون المنفيون "م ف ت ول "

الصغار يلهون بالألوان المائية والمعجون الطيع والحلوى ..

وأنا

على موسيقى بداية ايلول " المبلول "

أتنقل منتشيا ما بين " مجلات الميكي والرجل الوطواط واشرب الليمون لذيذا مع المغامرون الخمسة "

وعلى الأرض السلام

وايُّ ّمسرة!

 

9-

كم كان المشهد سرياليلا ً في ذاك المساء البعيد

… فئران الساحة يبنون الكون" بسبع حجار"

يحررون القلعة المغتصبة بمسدس فلين .. وصانع القرار يهتف

مزهوا " وقع حرب في …"

وقبل انطفاء الحرب الباردة بسنين خلت

وقبل نمو القرن الواحد في راس التاريخ …

كنا نرسم كما نشاء ..

ونمحو الخارطة ! *3

 

10- "

 

أثنان من الملآئكة البيض يسوقان العربةْ

العربة الخضراء محملة بفقاقيع الغيم  المثقل بالودق المرسل

غيض من فيض…

وحسب الموقع الذي

اختصته السماء

هذا المساء

يثقبان البالوانات القطنية

ينزل منها مدرارا يسقي

بهائم رتع وصغار ٍرضع ، وعجائز ركع …"

وهكذا ينزل المطر"كب من الرب"

علينا

حسب مافاض بعلمه الغزيرعلينا
 إمام المسجد في اواسط السبعينيات من القرن الماضي!

شتاء 77

 

11

 

يقولون كان شتاء شُح فيه كل شيئ

الاّأرحام النسوة فاضت بذكور ٍ

ملأواالساحة بضجيج وعواء ذئاب

خلّف سيلا من بول اغرق فيما أغرق

الأزقة لوث

ما تبقى من تشريع قضاءالحاجة

في فضاء المدينة وجحيم المكاره

وعلى ضوء وعتم الشوارع والزواريب،

وحده

أبي كان يراها سنة خير ٍ

وافتداني بكبش لم يشفع له عند الله ِ ،عموما ً

بعد شهور ٍلن يظل على رأيه هذا

وهو يرى "الجنرال ديان" يخطو كطاووس ٍفي شوارع " اورشليم "

وبلا فخر ٍ

كان شتاء قوميا ,

ويعض على شفتيه ويكمل  :

قوميا بامتياز!

شتاء 1967

 

12-

 

من هو المجرمُ

سفاح الأطفالٍ

عدو البسمة..

الذي اخترع

َ إبر

"البنسلين"

ص

ر

خ

تُ

والألم يسري

كنهر دبابيس

ٍ من ردفي

إلى

قحف رأسي !

شتاء   73

13-

كان شتاء لاينسى..!!

فيه ِ صقيع جمد دمع العين وقص مساميرأصابعنا  وكان أن إنهزمت شرهزيمة في البرد جواربنا الشعبيه…

وفيه نارٌ اوقدناها لم تكن بردا وسلاما على ابن الحارة " ابراهيم" وهو يقفز فوقها

" كستيف اوستن "*4

وفيه اشتعلت كا لجمرة جارتنا السوداء .. وكانت أقاويل نساء الحي من الدرجة الأولى عنها …!

وفيه ليال ٍ طوال ٍ"وليل اللأجئين طويل ُ" … وثرثرات كبارعن حروبٍ

وطائرات في غاراتٍ

حينا، وزياراتٍ حينا أخر ..

يتخللها الشتم

المبلل برضاب القرف ودعوتنا لأسكات التلفاز بعد كل نشرة اخبار!

وفيه بياضً بارد الغى يومنا الدراسي .. ولأول مرة في الصحراء الشعبية

شاهد الأولاد نبيا قطنيا يدعى ث ل ج

وفي هذا اليوم المشهودإستعرت حرب اهلية من على سطح بيوت الطين ِ

وكان المشهد لاينسى .. لولا بعض الخبثاء حصا َ ملفوفا بالعهن البارد خلف

في البعض اصاباتٍ ونزاعات استمرت لشهور طويلة َ

"رغم الفرح الذي

جعل المدينة ملعب اطفال ٍ في ذاك اليوم الذي تمنيت فيه اعتقال الشمس لعدة

ساعات ٍ أُخر.

وفيه ِ أول إغواء وأول ثقب ٍ في شمع القلب المتقد هياما ثم القبلة تأتي " كنجوم السيما" … تتغمس فوق الدفق البكر المنساب على وهج الأنثى وارتعشت روحي

..كما قطةٍ ٍ

تحت المزراب " بللها القطرُ"

وفيه عجوز الحارة قالت للناس بأن هذا آخر عهدهم بسنين الخير

وان ملائكة "الطفرة"عادت لسماء الرب محملة بملفات "الكفر الألكتروني"

وأن مداد الرحمة جف لعشر سنين عجاف يهرولن الينا …

وكان اخر عهدنا بها

صلينا عليها عشية عيد الأضحى واذكر أنا ازدردنا كمّا هائل من "البروتينات الحيوانية" والكعك الرائع ذاك العام

وفيه ,وفيه , وفيه ..

وكان اخر عهدي بالولد المشغول بعد الحبات

على الشباك وعد الغيمات على سطح البيت

و كان أن انطفئت في الليل اخيرا نار الساحة

كي توقد نيرانا لن تخمد لافي الرأس المذهول ِ

ولا في القلب المشغول

بلم تعاويذ نقائضَ

وفرائضَ

تتقافز ما بين معالم روح  تتخلّقُ

في اثر جنازة روح تحتضرُ

وجسد ينمو في نعشٍ اخر يخبو

 وللغرابة وحدي من كان يودعه كفنته بيدي

دفنته قرب جدار المدرسة، وتحت صنوبرة الحارة

مثل نبي مخذول ٍ كان يموت

غاب وخلفني في البيت وحيدا ً

" إن أوهن البيوت لبيت العنكبوت "

ثم صعدت الى برد شتاءاتٍ
 واشتهاءاتٍ كزغب الوجه جديده

صعدت ,  صعدت .. وأرهقني صعودا .

شتاء    1979

…………………………………………………………………………..

 

1حداء للأطفال كانوا ينشدونه في بداية مواسم الشتاء

2-  مقاطع من كتب القرآة في اللغة العربية في بداية  السبعينييات

3-  في النص اشارة الى العاب شعبية منقرضة  للأطفال

4-  " ستيف أوستن " هو بطل مسلسل  " الرجل الآلي " الهب خيال الصغار والكبار قديما.

http://www.jehat.com/Jehaat/ar/ArabatAlnaar/mohd_sabeeh.htm 

محمد صبيح الأردن – الزرقاء

رئيس نادي أسرة القلم الثقافي  

www.mhd_s2003@yahoo.com                   

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : شعر | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “شتاءات غائرة”

  1. جميل جدا

  2. جلت شتائاتك منذ أول قطرة، شعرت بالماء ينهمر فوق رأسي، مطراً من حروف وجمال، ذاكرة من ذاكرة الوطن، من حروف قرأناها في درس القراءة، حتى رأينا دايان يجول دروب القدس، ومع هذا كنا منتصرين حين لم تسقط العروش المستهدفة بالغزو، وبقيت العروش وتناثرت بعدها والأرض لم تعد، وشتاء اثر شتاء اثر شتاء، وما زالت ذاكرة الوطن تبحث عن وطن، ما بين مخيم جناعة حتى نهر البارد، وما زال الذين عادوا للوطن، شتاء اثر شتاء، يبحثون في الوطن عن حب ووطن..

    أخي محمد صبيح.. دعني أصافح يدك وأشد عليها…

    زياد

  3. عزيزي أبو صبيح

    جعلتَ دمعه من عيني تفرّ رغماً عني وانت تعرض شريطاً مصوراً من أيام الحارة والساحة ، جعلتني أستعيد الكثير من الصور المختزنة في أرشيف الذاكرة الخرب

    كنتَ رائعاً في سرد الحكايات … (ثمانون عاماً بحثاً عن مخرج) ، نقتاتها نيابة عن الخبز والماء في نهارات رمضان الطويلة في شهور الصيف ، ثم (الزير سالم) والقفز الطويل فوق حواجز الوقت المزروعة بين العصر ومدفع الإفطار .

    عزيزي أبو صبيح كنتَ ولا زلتَ كبيراً في نظرنا الخمسة وستظل كذلك

    وأشكرك على هذه المجاملة لوضع إسمي في المقدمة علماً بأن البقية لهم الأولوية والصدارة من حيث التاريخ والهم المشترك الذي اعرفه ، ثم اتيتُ انا لاحقاً…. دخيلاً وخامساً.

    سأحتفظ بالمعلقة أعلاه كلوحة تؤرخ لحقبة جميلة من ذكريات الزمن الجميل

    وتحياتي للأخ زياد الجيوسي الذي سجل تعليقاً في مدونتك .

    ودمت لنا الخمسة

    ناصر

  4. تشرفنا بزيارة مدونتكم، آملين منكم إرسال مشاركاتكم الثمينة على موقعنا

    وكالة سرايا الإخبارية http://www.sarayanews.com

  5. ليش هاجر المدونة يا رجل

    أين ابداعك أيها الغزير؟؟

    تحياتي

  6. الاستاذ محمد صبيح :تحياتي وملؤها الالفول الاخضر البلدي وبلاش من الكستناء والمفتول واهديك كنزة منسوجة من الصوف نسجتها لي امي قبل ان اذهب الى مصر لطلب العلم ظنا منها ان القاهره بها برد يقص المسمار اشد صقيعا من برد رام الله وقبيا .وهناك وجدت ان لا برد ولا يحزنون انما شتاء وحراره .ولا تسالني ما نوع هذه الحراره .على انك اعدتني الى كل ايام الشتاء والاربعينيه هندما كنا هناك في قبيا اطفالا صغارا وفي المدرسه الابتدائيه وكان هناك بركه رومانيه وكنا نخرج من المدرسه اثناء هطول المطر وبدلا من الذهاب للغداء والاستراحه .ناكل من حشائش الارض وبقايا ثمار التين والصبر الذاوي فتمدنا بحراره وطاقه تجعلنا ما ان نصل الى البركه التي امتلات بالماء نرمي الهدوم كلها “كما ولدتنا امهاتنا “ونرمي بانفسنا واجسادنا العاريه في الماء الدافي وماء الوطن الحنون ونحن نتفاخر برجولتنا قائلين : الثق….ثق ….رجل والز….للمشتهي .لكننا عرفنا متاخرا ان هذا كلام مراهقين فلا رجال ولا ما يحزنون بعد ان هزمتنا غولدا واخوانها وابناء عمها .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر